صندوق النقد يحذر من نقص إمدادات النفط والغاز ويشير إلى إمكانية إعادة الاهتمام بالطاقة النووية
حذّر عدد من المسؤولين الماليين وخبراء الطاقة من الآثار الاقتصادية السلبية العميقة الناتجة عن الحرب المستمرة في الشرق الأوسط، والتي أفرزت تداعيات غير مسبوقة على الاقتصاد العالمي. فقد تلاشت التوقعات العالمية التي كانت تشير إلى نمو إيجابي في الأسواق، وأشار صندوق النقد الدولي إلى أنه تم تحديد ثلاثة سيناريوهات ممكنة للأزمة، وكلها تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو الاقتصادي.
خلال حلقة نقاشية جرت في واشنطن ضمن اجتماعات صندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي، تحدث تيم جولد، كبير خبراء اقتصاد الطاقة، حول التأثيرات المدمرة للأزمة. وكشف أن العالم فقد حوالي 13 مليون برميل من النفط يوميًا، وهي كمية تفوق الصدمات النفطية التي شهدناها سابقًا في السبعينات. هذا التراجع المسرّع في الإمدادات النفطية يعود جزئيًا إلى توقف حوالي 20 مليون برميل من مرورها عبر المضيق، مما أدى إلى نقص كبير في السوق.
وأشار جولد إلى أن السوق العالمية تعاني من حالة من التراجع الحاد، مما يزيد من الضغوط على المتطلبات النفطية ويجبر الدول على الاعتماد على المخزونات المتاحة. في سياق مماثل، توقع أن تغيّر هذه الأزمة من طريقة تفكير الدول بشأن أمن الطاقة، وتعزز الاتجاه نحو استثمار أكبر في مصادر الطاقة المتجددة، وأيضًا قد يُعيد إحياء الاهتمام بالطاقة النووية.
الأزمة لم تقتصر على النفط فقط، بل أدت أيضًا إلى نقص حاد في إمدادات الغاز الطبيعي، خاصة بعد توقف شحنات الغاز المسال من قطر والإمارات، مما أثر سلبًا على الأسواق وأسعار الوقود. سجلت أسعار وقود الطائرات في سنغافورة ارتفاعًا ملحوظًا لتصل إلى نحو 300 دولار للبرميل، بينما تراوحت أسعار النفط بين 130 و140 دولارًا.
وفي سياق متصل، أكد بو لي، نائب المدير العام لصندوق النقد الدولي، أن الدول في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تواجه حالة غير مسبوقة من عدم اليقين، حيث ستعاني الدول المصدرة للنفط من اضطرابات كبيرة في الإنتاج. من جهة أخرى، ستجد الدول المستوردة نفسها تحت ضغط قوي يفقدها قدراتها الشرائية ويؤثر سلباً على ميزان المدفوعات بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة والغذاء.
على الصعيد العالمي، أشار مايك بايل، المدير الإداري الأول في شركة “بلاك روك”، إلى أن هذه الأزمة تمثل صدمة عرض غير عادية وليست مجرد تقلص في شهية المخاطرة. وأكد أن الأسواق المالية في الولايات المتحدة أظهرت قدرة على التحمل أعلى مقارنة بأسواق أوروبا وآسيا، ويعود ذلك إلى العزلة النسبية التي يتمتع بها الاقتصاد الأمريكي بفضل انخفاض أسعار الغاز الطبيعي.
وفي خضم هذه الظروف، أوضح محمد أورنجزيب، وزير المالية الباكستاني، أن بلاده تركز حالياً على تأمين الإمدادات وتحسين العمليات اللوجستية، حيث شهدت مدة الشحن تغييرات ملحوظة. كما أن باكستان اعتمدت على نظام التسعير المتغير مع تقديم دعم للفئات الأكثر تضررًا، مثل المزارعين ووسائل النقل العام. وفي خطوة مستقبلية، أعلن الوزير عن خطة طموحة لزيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة في السنوات القادمة.
من المتوقع أن تُغير هذه الأزمة طريقة تفكير الدول والشركات في استراتيجيات سلاسل التوريد العالمية، حيث ستتجه الأنظار نحو بناء مخزونات استراتيجية بدلاً من الاعتماد على سياسة “التوريد في الوقت المحدد”، التي كانت سائدة في السنوات الأخيرة. وأكد بايل أن الأسواق بدأت بالفعل بتعديل نظرتها تجاه الشركات التي تستثمر بشكل كبير في مرونتها وتوطين سلاسل امدادها.